تجنيس الكفاءات: تجارب عالمية مشهودة تحذو حذوها المملكة.. تعرف على أبرزها

تفتح السعودية أبوابها للعالم على مصراعيها بدخول خطوة تجنيس العقول والكفاءات والمبدعين حيز التنفيذ، بعد صدور الموافقة السامية الكريمة على منح الجنسية السعودية لعدد من أصحاب الكفاءات المتميزة والخبرات والتخصصات النادرة، لتلحق المملكة بركب الدول التي أقدمت على تلك الخطوة، وأسهمت في دفع عجلة التنمية، وتعزيز وتنمية الكوادر البشرية في تلك البلدان، ونقل المعرفة إلى مواطنيها عبر المواطنين الجدد.

وتعتمد أغلب بلدان العالم على التجنيس، ومنح المهاجرين والكفاءات والكوادر البشرية جنسياتها، وذلك عبر قوانين معينة تناسب كلٍ منها؛ وذلك لعدة أسباب منها استكمال دورتها الاقتصادية وتطوير إمكاناتها، أو نقل المعرفة إلى مواطنيها الأصليين، أو لمعالجة بعض المشاكل مثل الحاجة لرفع نسب الشباب في المجتمع، أو وجود نقص في بعض المجالات الضرورية، والحاجة إلى أهل التخصصات النادرة التي يحتاجها المجتمع بشدة… إلخ. كما تمنح بعض الدول جنسياتها أو إقامتها الدائمة بمقابل مالي يختلف من دولة لأخرى بحسب قوانينها وأنظمتها، لمن يملك ملاءة مالية، ويستثمر في البلد الجديد، وذلك بغرض ربح رؤوس أموال جديدة تضخ في الاقتصاد الوطني، وتساعد في توظيف الشباب. وقد جمعت المملكة بين مميزات النظامين، وذلك عبر نظام تجنيس الكفاءات، ونظام منح الإقامة المميزة بمقابل مادي لمن يريد العيش والاستثمار في المملكة سواء بشكل دائم أو مؤقت. وللتجنيس مميزات عدة أثبتتها تجارب الدول الأخرى التي سبقت المملكة إلى ذلك عملياً، لا سيما عندما يكون محكوماً بمعايير صارمة كالتي تتبعها السعودية بما يتماشى مع رؤية 2030، ويمكن أن نسوق الأمثلة التالية في هذا الصدد.

الولايات المتحدة وتجنيس الكفاءات

تُعد الولايات المتحدة من أشهر الأمثلة في هذا الصدد، إذ تمنح جنسيتها لمواليد ولاياتها ومدنها، أو لمن مر على وجوده بالبلاد 5 سنوات، كما أنها تمنح إقامتها أو ما يعرف بـ”الجرين كارد” عبر عملية يانصيب (Lottery)، يتم فيها اختيار المتقدمين عشوائياً عبر الحاسب الآلي وبدون تدخل البشر، ومن ثم يمكنهم القدوم إلى البلاد والتمتع بالعيش والعمل فيها، ثم الحق في الحصول على جنسيتها، ومن أشهر الأمثلة على ذلك سيرجي برين مؤسس محرك البحث الأشهر على الإطلاق (جوجل)، مع شريكه لاري بيدج، فقد ولد عام 1973م في موسكو في الاتحاد السوفيتي سابقاً لأبوين روسيين، قبل أن يرتحل إلى الولايات المتحدة. وتزخر الولايات المتحدة بالكفاءات العلمية والثقافية والرياضية ممن ولد وترعرع في بلدان أخرى، قبل أن يحط الرحال على الأراضي الأمريكية، وتفوز بثمرة نبوغه. ومن الأمثلة المهمة على ذلك العالم المصري الأصل أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، وقد قضى طفولته وشبابه وأتم تعليمه الجامعي، بل وحصل على الماجستير في مسقط رأسه مصر، قبل أن يرتحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويحصل على جنسيتها، ويقدم خلاصة أفكاره وأبحاثه، وينال الجائزة العالمية المرموقة في عام 1999م.

التجربة الكندية

لدى كندا تجربة عريقة في تجنيس الكفاءات والعقول المهاجرة، وتتمتع البلاد بمساحات شاسعة إذ تبلغ مساحتها نحو 10 ملايين كيلومتر مربع، بينما يبلغ عدد سكانها نحو 37.5 مليون نسمة فقط. وهو ما حدا بها لفتح باب التجنيس والهجرة إليها لسد العجز السكاني، وعدد الكوادر المؤهلة. وتُقدّم كندا برنامجيّ هجرة رئيسيين، الأول هو برنامج هجرة الكفاءات إلى كندا (هجرة العمالة الماهرة إلى كندا)، والذي يُمكّن المهنيين وذوي الخبرة من الهجرة إلى كندا وفق نظام الدخول السريع إلى كندا، ومن ثم الحصول على الإقامة الدائمة في كندا، وبالتالي قابلية التقديم للجنسية الكندية.

أما برنامج الهجرة الثاني فهو برنامج هجرة الاستثمار، والذي يهدف إلى تشجيع المستثمرين ورياديي الأعمال على المساهمة في نموّ كندا من خلال الاستثمار فيها. وبحسب مدير معهد الدراسات الكندية بجامعة ماكجيل في مونتريال دانيال بيلاند، ، فهناك دعماً شعبياً واسعاً للمهاجرين الاقتصاديين في كندا؛ نظراً لأهميتهم الاقتصادية والسكانية في ظل تراجع معدل الخصوبة والإنجاب في البلاد، وهو ما يهدد بظهور نقص حاد في الأيدي العاملة. وبحسب وسائل إعلام كندية، تتوقع حكومة البلاد زيادة بنسبة 40% في المواطنين الجدد بحلول عام 2024م. وبحسب تقرير حكومي، فهناك فرد من كلّ خمسة أفراد يعيشون في كندا اليوم، وُلد خارج البلاد، بينما هناك أكثر من ستة ملايين مهاجر وصلوا إليها منذ مطلع التسعينيات. ومن الأمثلة الكندية البارزة وزير الهجرة السابق الصومالي الأصل والمنشأ أحمد حسين، والذي تولى منصبه في الحكومة الكندية عام 2017، ويتولى حالياً منصب وزير الإسكان والتنوع والشمول. كذلك يبرز اسم الوزيرة السابقة لحقيبة المرأة والمساواة بين الجنسين مريم منصف، والتي ولدت في إيران لأبوين أفغانيين قبل أن ترتحل إلى كندا.

منتخب فرنسا

ولنا في فرنسا أكبر مثال وشاهد على نجاح تجنيس الكفاءات الرياضية، وما يمكن أن تقدمها للبلد الجديد الذي استضافها ورعاها، إذ لم تضم قائمة منتخب الديوك التي ارتحلت إلى موسكو للفوز بكأس العالم لكرة القدم 2018 غير اثنين لاعبين فقط من أصول فرنسية من أصل 23 لاعب ضمتهم القائمة، بينما جاء البقية من أصول دول أخرى إفريقية وأوروبية وعربية ولاتينية ومن كل أرجاء العالم، ومعظمهم لم يولد بفرنسا، بل ارتحل إليها بعد سنوات من ولادته. ويملك زيدان بطل العالم مع فرنسا في 1998، وأحد أفضل اللاعبين على مر التاريخ العالم أصولاً جزائرية. وقد ضمت قائمة المنتخب الفرنسي حينذاك 3 لاعبين فقط من أصول فرنسية، أما البقية فقد جاءوا من مختلف دول العالم بألوان بشرتهم ودياناتهم وثقافاتهم المختلفة؛ ليتحدوا ويكونوا فريقاً قوياً استطاع إسقاط البرازيل بثلاثية نظيفة؛ ليحقق اللقب العالمي الأول لفرنسا.

أمثلة أخرى

ومن بين الأمثلة الحاضرة أيضاً دكتور القلب البريطاني الشهير والمصري الأصل مجدي يعقوب، وقد ولد في مصر وترعرع فيها، وحصل على درجته العلمية، قبل أن يسافر إلى بريطانيا، ويحصل على جنسيتها، وقد اشتهر بإجراء عمليات القلب الدقيقة لعددٍ كبيرٍ من المشاهير. ومنحته الملكة إليزابيث الثانية لقب فارس (سير) في عام 1966، كما منح جائزة فخر بريطانيا عام 2007م، ويُطلق عليه في الاعلام البريطاني لقب “ملك القلوب”. كما تمنح ألمانيا جنسياتها للكفاءات العلمية، خاصة في المجالات التي تحتاجها بشدة كالطب والتمريض، وكذلك لرفع نسب الشباب في المجتمع ومعالجة الشيخوخة. وبحسب تقرير التجنيس والهجرة الألماني لعام 2015، فقد جنست برلين في الفترة بين عامي 1995 و2004 نحو 1.3 مليون شخصاً، ما يعني أن حوالي 1.5٪ من مجموع السكان الألمان تم تجنيسهم خلال تلك الفترة.

المصدر: سبق.

السابق المقاتلات السعودية والأمريكية ترافق قاذفتين بي-1
التالى ليلة إعلامية تستذكر مسيرة البراق